التفتازاني

59

شرح العقائد النسفية

لكن بجهتين مختلفتين « 1 » ، فالفعل مقدور الله بجهة الايجاد ، ومقدور العبد بجهة الكسب . وهذا القدر من المعنى ضروري . وان لم نقدر على أزيد من ذلك ، في تلخيص العبارة المفصحة ، عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله تعالى ، وايجاده ، مع ما فيه للعبد من القدرة والاختيار . ولهم في الفرق بينهما عبارات : مثل ان الكسب ما وقع بآلة ، والخلق لا بآلة . والكسب مقدور وقع في محل قدرته ، والخلق مقدور وقع لا في محل قدرته . والكسب لا يصح انفراد القادر به ، والخلق يصح انفراده . فان قيل : فقد أثبتم ما نسبتم إلى المعتزلة من اثبات الشركة . قلنا : الشركة أن يجتمع اثنان على شيء واحد ، وينفرد كل منهما بما هو له دون الآخر ، كشركاء القرية والمحلة . وكما إذا جعل العبد خالقا لأفعاله ، والصانع خالقا لسائر الأعراض والأجسام ، بخلاف ما إذا أضيف أمر إلى شيئين « 2 » بجهتين مختلفتين كأرض تكون ملكا لله تعالى بجهة التخليق ، وللعباد بجهة ثبوت التصرف ، وكفعل العبد ينسب إلى الله تعالى بجهة الخلق ، وإلى العبد بجهة الكسب . فان قيل : فكيف كان كسب القبيح قبيحا سفها ، موجبا لاستحقاق الذم والعقاب « 3 » ، بخلاف خلقه . قلنا : لأنه قد ثبت أن الخالق حكيم لا يخلق شيئا ، الا وله عاقبة حميدة ، وان لم نطلع عليها ، فجزمنا بأن ما نستقبحه من الأفعال قد يكون له فيها حكم ومصالح ، كما في خلق الأجسام الخبيثة الضارة المؤلمة ، بخلاف الكاسب ، فإنه قد يفعل الحسن ، وقد يفعل القبيح ، فجعلنا كسبه للقبيح ، مع ورود النهى عنه ، قبيحا سفها موجبا لاستحقاق الذم والعقاب . ( والحسن منها ) أي من أفعال العباد . وهو ما يكون متعلق المدح في العاجل ، والثواب في الآجل . والا لحسن أن يفسر بما لا يكون متعلقا للذم والعقاب ، ليشمل المباح ( برضاء الله تعالى ) أي بإرادته من غير اعتراض ( والقبيح منها ) وهو ما يكون متعلق الذم في العاجل والعقاب في الآجل ( ليس برضائه ) لما عليه من

--> ( 1 ) مختلفتين : ط . ( 2 ) اثنين : خ . ( 3 ) والعقاب : ط .